الشيخ محمد النهاوندي

526

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ بعد ما بيّن اللّه تعالى من أصول العلم بالمبدأ والمعاد ، والاستدلال بالوقائع المسلّمة بين أهل الكتاب على صحّتهما ، شرع في بيان جملة من الشّرائع والأحكام ، ولمّا كان من أشقّها التّكليف ببذل المال والإنفاق على الفقراء وفي سائر وجوه الخير ، بدأ بترغيب العباد فيه بقوله : مَثَلُ نفقة المؤمنين الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ويصرفون أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وطريق الخير ، ووجوه البرّ كَمَثَلِ حَبَّةٍ وقيل : إنّ المراد مثل المنفقين كمثل باذر حبّة صحيحة ، زرعت في أرض عامرة مغلّة « 1 » ، فعند ذلك أَنْبَتَتْ وأخرجت تلك الحبّة سبعة سوق ، لكلّ ساق سنبلة ، فيكون المجموع سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ كما يشاهد في الذّرة والدّخن ، مع أنّه تمثيل لتصوير مضاعفة الثّواب ، ويكفي فيه كونه معقولا وإن لم يكن له مصداق في الوجود ، مع أنّه يحتمل أنّ زرع الحنطة كان سنبله في بدو الخلقة أو في بعض الأراضي المغلّة كذلك . وَاللَّهُ يُضاعِفُ ثواب المنفق زائدا على تلك المضاعفة إلى ما شاء اللّه لِمَنْ يَشاءُ أن يضاعف له بفضله ، وعلى حسب حال المنفق والإنفاق ، من إخلاصه وتعبه وخصاصته ومصرف إنفاقه ، ككونه في الجهاد ، أو على الوالدين ، أو العلماء ، أو ذراري الرّسول ، فإنّه يتفاوت ثواب الأعمال بتفاوت الجهات والخصوصيّات . عن الصادق عليه السّلام : « هذا لمن أنفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه » « 2 » . وعنه عليه السّلام : « إذا أحسن العبد عمله ضاعف اللّه عمله بكلّ حسنة سبعمائة ضعف » « 3 » . وفيهما دلالة على أنّ تلك المضاعفة جارية في جميع الأعمال والعبادات . وَاللَّهُ واسِعٌ جودا وفضلا لا يضيق عليه إعطاء الزّيادة كائنا ما كان عَلِيمٌ به ، وبنيّة المنفق وخلوصه ومقدار إنفاقه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 262 ] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 262 )

--> ( 1 ) . المغلّة : الأرض المنتجة للغلات . ( 2 ) . تفسير القمي 1 : 92 ، تفسير الصافي 1 : 272 . ( 3 ) . ثواب الأعمال : 168 ، تفسير الصافي 1 : 272 .